السيد عباس علي الموسوي

316

شرح نهج البلاغة

فهذا البيت الحرام المبني من الأحجار في هذا المكان القفر الصعب جعله اللّه قبلة للأنام وفرض على الناس الحج إليه . . . ( ثم أمر آدم عليه السلام وولده أن يثنوا أعطافهم نحوه فصار مثابة لمنتجع أسفارهم وغاية لملقى رحالهم تهوي إليه ثمار الأفئدة من مفاوز قفار سحيقة ومهاوي فجاج عميقة وجزائر بحار منقطعة ) بعد أن بني اللّه البيت الحرام في تلك البقعة من الأرض بالأوصاف المتقدمة أمر آدم ومن بعده أولاده أن يتوجهوا نحوه ويقصدوه فصار بعد ذلك الأمر الإلهي محلا طيبا يجدون في ربوعه ما يتمنونه ويطلبونه في عودتهم من سفرهم كما أنه ملتقى يجتمعون فيه ويلتقون كما قال تعالى : وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنّاسِ وَأَمْناً . كما أنه سبحانه جعل القلوب تحّن إليه وتتشوق للنزول به كما قال تعالى في دعاء إبراهيم عليه السلام : فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ . فإن القلوب تحن إلى بيت اللّه الحرام من أقصى بلاد اللّه من الصحراء البعيدة القاحلة من صحراء الربع الخالي ومن صحراء العالم ترى الشوق إلى البيت الحرام . كما ترى الشوق من كل فج عميق ومن الجزر البعيدة المنقطعة عن العالم ترى كل أولئك الناس يحملون للكعبة شوقا ومحبة ورغبة في التبرك بتلك الأحجار المقدسة التي باركها اللّه . . . ( حتى يهزوا مناكبهم ذللا يهللون للهّ حوله ويرملون على أقدامهم شعثا غبرا له . قد نبذوا السرابيل وراء ظهورهم وشوهوا بأعفاء الشعور محاسن خلقهم ابتلاء عظيما وامتحانا شديدا واختبارا مبينا وتمحصيا بليغا جعله اللّه سببا لرحمته ووصلة إلى جنته ) فإن من يهوى بيت اللّه الحرام ويحبه ويتشوق لأخذ البركة منه يجب أن يتحرك من مكانه وينطلق متوجها نحوه وهذا يستدعي تحريك المناكب أو يقصد به الطواف بالبيت الحرام متواضعين منقادين لما أمر . وذكر أنهم في طوافهم حوله يهللون اللّه ويلبون ويهرولون على أقدامهم مسرعين إلى مغفرة اللّه في حالة البؤساء حيث الشعور متفرقة قد تلبدت واغبرت من التراب ، إنهم قد خلعوا الثياب الجميلة التي كانوا يرتدونها وتركوا شعورهم مسترسلة قد غطت وجوههم وشوهت مناظرهم . . . إنه امتحان لهذا الإنسان عظيم حيث يعرف المطيع من العاصي . . . إنه اختبار لهذا الإنسان واضح كبير وتمحيص بليغ وهذا كله ليجعله سببا لرحمته وطريقا إلى جنته فهو